الشوكاني
102
فتح القدير
فضرب فانفلق فصار اثنى عشر فلقا بعدد الأسباط ، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم ، وهو معنى قوله ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) والفرق القطعة من البحر ، وقرئ فلق بلام بدل الراء ، والطود الجبل قال امرؤ القيس : فبينا المرء في الأحياء طود * رماه الناس عن كثب فمالا وقال الأسود بن يعفر : حلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد ( وأزلفنا ثم الآخرين ) أي قربناهم إلى البحر : يعنى فرعون وقومه . قال الشاعر : وكل يوم مضى أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الآجال تزدلف قال أبو عبيدة : أزلفنا جمعنا ، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع ، وثم ظرف مكان للبعيد . وقيل إن المعنى : وأزلفنا قربنا من النجاة ، والمراد بالآخرين موسى وأصحابه ، والأول أولى ، وقرأ الحسن وأبو حيوة وزلفنا ثلاثيا ، وقرأ أبي وابن عباس وعبد الله بن الحارث " وأزلقنا " بالقاف : أي أزللنا وأهلكنا من قولهم : أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها ( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ) بمرورهم في البحر بعد أن جعله الله طرقا يمشون فيها ( ثم أغرقنا الآخرين ) يعني فرعون وقومه أغرقهم الله باطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه ، والإشارة بقوله ( إن في ذلك لآية ) إلى ما تقدم ذكره مما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية ، ففي ذلك آية عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) أي ما كان أكثر هؤلاء الذين مع فرعون مؤمنين ، فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته ، وآسية امرأة فرعون ، والعجوز التي دلت على قبر يوسف ، وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بموسى فإنهم هلكوا في البحر جميعا بل المراد من كان معه من الأصل ومن كان متابعا له ومنتسبا إليه ، هذا غاية ما يمكن أن يقال . وقال سيبويه وغيره : إن " كان " زائدة ، وأن المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه . وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) قال : ستمائة ألف وسبعون ألفا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانوا ستمائة ألف . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثنى عشر سبطا ، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفا كلهم ولد يعقوب " . وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بسند . قال السيوطي : واه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائدا مع كل قائد سبعون ألفا ، وكان موسى مع سبعين ألفا حيث عبروا البحر " . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم . وأقول : هذه الروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب والاختلاف ، ولا يصح منها شئ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ( ومقام كريم ) قال : المنابر . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ( كالطود ) قال : كالجبل . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود مثله . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ( وأزلفنا ) قال : قربنا . وأخرج الفريابي وعبد بن